يوميات رجل مجنون


خولة الوريدي

هو ليس بمجنون؛ لكن هيئته ومظهره يوحيان بذلك؛ شعر أشعث تراكمت عليه جميع أنواع الغبار، وتوالت عليه الفصول، فصار طويلًا مفتولًا كالحبال؛ أخاديد حفرتها تَوالِي الأيام والسنوات على صفحة وجهه بلا رحمة, والتي زحف عليها شعر الذقن والشوارب فلم يبق ظاهرًا منها إلا العينان الزائغتان باستمرار.. قدماه حافيتان وقد تشققت شقوقًا غائرة كأرض بور عطشى في زمن القحط والجفاف, أسمال بالية لا تكاد تقيه زمهرير الحر ولا لدغات سياط البرد والصقيع..
مع انتشار الظلمة في أرجاء المدينة يقصد ربوة مخضرة في هذا الفصل الربيعي, فيجلس تحت شجرة تشبه السنديان؛ تخلت عن أوراقها مكرهة وصارت كأنها جدباء تتشابك أغصانها كأذرع مظلة، لكن جذعها ما زال نضرًا ينتظر بزوغ القمر, يطل عليه أخيرًا مكتملًا بنوره الكاشف, يأخذ قلمًا من تحت حجر قرب جذع الشجرة؛ كان قد دسه سالفًا، ويستل من جيبه بحرص ورقة بيضاء مطوية بعناية اختارها من بين الأوراق الملقاة في الأزقَّة والشوارع، تتقاذفها الأرجل والزوابع, يولي ظهره للقمر فتنكشف الورقة بنوره، فتبين عن سطورها، فيكتب بعد تأمل في نجوم السماء مجتمعة تحترق: أحس بالشبع، وطيب رائحة المرق لا تفارق أنفي، وطعم اللحم ومذاقه لا يبرح طرف لساني.. هببت من النوم مع أول خيوط الشمس الكاشفة, أمسكت خيطًا واحدًا وانحدرت أتسكع في دروب وأزقة المدينة، حتى تعبت قدماي، وانهارت قواي.. عصر بطني الجوع والعطش، فشعرت بدوار في رأسي يكاد يطيح بي أرضًا، وإذا بي أمام تشييع جنازة بالزغاريد؛ طلب مني رجل مسنٌّ الانتظار, تبين لي بعد ذلك أنه والد الهالك, جاءت إحداهن محتشمة، بيدها صحن من اللحم ممتلئ عن آخره/ وخبز فوق الحاجة, انزويت إلى مكان بالقرب من الدار, وطعمت وارتويت، وأفرطت حتى التخمة؛ فقد كان الجوع أخذ مني مأخذًا.. ارتخَتْ مفاصلي، وتمددتُ أسترق السمع لثرثرة المعزِّين, وما أذمَّها من عادة في الجنائز بدل استحضار موعظة الموت والدعاء والاستغفار للميت!!.
مسكين؛ لم يتجاوز الثلاثين من عمره… تسلمت عائلته رفاته من الحكومة اليوم, قتل في اليمن قبل أيام, كان يشارك كضابط في سلاح الطيران مع قوات التحالف.. حضر وفد من الحكومة وضباط في الجيش للعزاء، وغادروا سريعًا على عجل في احتفاء ظاهر من جانب العائلة، بعد أن قدموا للأب شيكًا بمبلغ قدَّره الحاضرون تقديرًا واختلفوا..
المهم أنه سيغنيه باقي عمره, وتذكرة للحج متى شاء.. في مثل هذه المناسبات الجنائزية الحزينة عادة ما يبدأ النهار عند أهل الفقيد بالبكاء والعويل, وكلما دخل معزٍّ يتعالى البكاء والنحيب وكأنه حطب يزيد من تأجج نيران الفراق والبعد, يستفحل الحزن بالقلوب مع إخراج الميت إلى مثواه الأخير, وتفيض الأعين دموعًا كالأنهار، ويرتفع الصراخ هنا وهناك, يوضع النعش على الأكتاف وتتوارى به الجموع إلى المقبرة, وفي المساء بعد عودة المشيعين يصبح الحال وكأنه لم يكن في الدار ميتم ولا بكاء ولا حزن مرير!! وتنقلب الأمور إلى مجرد وليمة, تمتد الأيدي فتلتقي الأنفس الشامتة والصادقة في صحن واحد تنهش اللحم –أعني: لحم الميت- أخذ الورقة بأصبعيه ورفع يديه عاليًا قدر ما يستطيع لتراه النجوم والكواكب والشجر, ترفرف في مهب الريح, يتأملها مليًّا كأنها قطعة منه تصارع قبضته لتنفلت وتتحرر من الأسر, يتطلع إلى القمر المتوهج يشهده على فعلته, يخفف القبضة على الورقة شيئًا فشيئًا فتطير عبر الأثير، تتقاذفها الرياح إلى الجهة الأخرى.. يتوسد ذراعيه, يتخذ الأرض فراشًا والسماء غطاءً، فينام قرير العين تحت ضوء القمر, يبتسم في نومه وعيناه مغمضتان يلفحهما الضوء الكاشف؛ يتذكر…

ينتظر كعادته بزوغ رفيقه القمر ليتناول القلم من تحت حجرة قرب جذع الشجرة، ويخرج ورقة من جيبه بعناية فائقة, وينتظر؛ يطول الانتظار… بدأت جيوش النوم تراود جفونه فيشعر بثقل رأسه يتدلى كحبة يقطين, أسند هامته إلى جذع الشجرة وانفلتت من أعماقه آهة الراحة والعذاب؛ يتذكر أهل مدينته وهم ينتظرون بهدوء ورزينة في المصالح الحكومية والمصحات, وجوههم فيها عزم وتحدٍّ للزمن, ينتظرون في المقاهي الذي لا يأتي, تتكلس مؤخراتهم فتصبح صفيحة من نار, في محطات القطار والحافلات تنتفخ أوردة أرجلهم، فيبحثون عن مقعد فلا يجدونه, ينتظرون الحرية بصبر أن تدق بابهم، ولا يتحركون إليها كما يتحركون إلى أقوات يومهم.. ينتظرون الموت ببطء ليحصد أرواحهم ليستريحوا من الغبن والظلم والهزيمة!!.
تراهم يتطلعون إلى ساعاتهم اليدوية الجميلة ليقارنوها بالساعة الحائطية في قاعات الانتظار؛ أيها يعبر عن الوقت الدقيق بأجزاء الثانية, لا يتأففون ولا يتذمرون؛ راضون عن السجان لجلده السجناء خارج معالم الزمن, حيث لا شمس ولا قمر, يحملق بعضهم في بعض كالغرباء وما هم بغرباء, يقطع أحدهم القاعة ذهابًا وجيئة كرقاص الساعة لا تفتر همته, يراقب ساعته اليدوية الفخمة في معصمه مع كل ضخة قطرة دم في شريانه، ويدقق النظر في عقاربها الذهبية اللامعة تحت نور الإضاءة البيضاء, حتى الأجنة تنتظر الخروج إلى النور لتطلق صرختها الأولى في وجه الطبيب: اصرخ في وجه الظالم ولا تعِنْه على ظلمه بصمتك وخوفك!! قاعة الانتظار في انتظار الجميع, اصرخ لتغير قدرك… انتظر وما يضيرك وأنت قضيت عمرًا تنتظر؟!! لا يهم كم من الوقت ستنتظر؛ يومًا.. يومين.. شهر.. شهرين.. سنة.. سنتين وربما أكثر, قد يتم غسلك ودفنك وأنت في لائحة الانتظار تنتظر!!.
أخيرًا هلَّ القمر مترنحًا شاحبًا ليس كعادته؛ ألأنه أبطأ وتأخر عن الميعاد؟! قريبا سيختفي؛ فأسرع إلى عُدته قبل أن يبتعد الضوء ويخبو.. فيكتب… -مرت اليوم بقربي جوقة لعرس وقت الضحى وأنا ممدود تحت ظل حائط معوج مائل آيل للسقوط؛ وكأنه يحنو علي, طبعًا وأنتم تعرفون أن الزواج لا ينتظر, هدايا مختلفة للعروس رصفت بعناية فائقة فوق عربة يجرها حصان واضحة للعيان تنم عن قدر العائلة وجاهها في المدينة, تزفها أجواق محلية متعددة, الطبل مدويًّا، وصوت المزمار حادًّا، وقرع على صفيحة من حديد نشاز, ترقص الشابات والشباب على أنغام ألحان تتزاحم مع صراخ الأطفال وأبواق السيارات وضحكات المارة وسخرياتهم, الغبار والشمس ورائحة العرق لا تنقص من حماستهم, شيء غير عادي, ربما يتناولون منشطات.. عجل سمين في المؤخرة يثير انتباه الجميع ويخطف الأنظار, يهش أحدهم على رقبة العجل وقرني رأسه تارة، وظهره ومؤخرته تارة أخرى بمنديل من حرير مزركش مطرز الحواشي تحفه خيوط طويل كالأهداب.. راقني منظر هذا العجل، فتبعت الموكب أتزاحم مع الصغار, أتمايل أحيانًا مع النغم، وأحاول محاكاة رقص الشباب فلا أفلح, فأكتفي بوضع يدي على ظهر العجل وخاصرته، فأجد جلده حاميًا كصفيحة من نار يتصاعد منها البخار, لوح لي بذيله وكأنه يحذرني.. ابتعدت عنه وتتبعت حركات ذيله وأذنيه عن بعد..
لم ينتظر الشباب المتعلم؛ وخرج في مظاهرات حاشدة مرعبة, تشابك مع رجال حفظ الأمن بالحجارة والسباب والشعارات, تكسير ودم؛ أوباش… امتلأت أقسام الشرطة بالمعتقلين الطلبة المحتجين, ضرب وتعذيب وسحل, تخويف وتجويع, أحكام بالسجن بالجملة لمدد متفاوتة -وقد تصل إلى عمره- لم تمل الطلبة من طلب الحرية… يصرخون من أعماقهم بإيمان في طلوع شمس الغد, في وجه من يغتصب قوت يومه: حرية؛ حرية؛ حرية!! يلونون بدمهم المراق كل الجدران البيضاء وأوراق الشجر وأكفان البشر..


2 التعليقات

    1. غير معروف

      اتمنى لك النجاح والتوفيق

    2. Mariam

      ما شاء الله بالتوفيق انشاء الله

  • أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *